عبد الله ايت سي / التبعية للرأسمالية و تحميل الطبقة العاملة و عموم الكادحين تبعات الأزمة.



عبد الله ايت سي:
وجهة نظر .
بعد نهاية ثنائية القطبين و تفتيت الاتحاد السوفياتي إلى دويلات وبعد صراع دام زهاء أربعة عقود وسقوط جدار برلين " وتمرير اتفاقية التجارة العالمية كات سنة 1993 والتي كانت تشتمل على الآلف من البنود مما يعني أن الدول المصادقة عليها خصوصا النامية لم يكن لديها من الخبراء الاقتصاديين الملمين بالتفاصيل الدقيقة لذلك ،منذ ذلك الحين ازدادت غطرسة الدول الرأسمالية التي غزت الأسواق العالمية على شكل استثمارات في جميع الميادين خصوصا القطاعات الإستراتيجية الطاقة والمعادن ومختلف الصناعات الثقيلة عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات والتي توفر لها الأنظمة السياسية التبعية للإمبريالية العالمية مجمل الامتيازات أهمها يد عاملة رخيصة ومؤهلة ،لقد ضربت العولمة اقتصاديات البلدان السائرة في طريق النمو والنامية وأرجعتها إلى نقطة بداياتها بسبب التبادل الحر الذي قضى بشكل شبه نهائي على قطاعات إنتاجية محلية كانت تشغل الألف من اليد العاملة ورغم ظهور تكتل البر يكس الذي تتزعمه روسيا إلا انه لم يحقق التوازن المطلوب ويكبح جماح الامبريالية الأمريكية و استمر تقسيم مناطق النفوذ بين الدول الامبريالية و تشهد منطقة الشرق الاوسط و شمال أوروبا أزمة أوكرانيا ضراوة الصراع بين هذه الدول ،و تبقى نقطة الضوء الوحيدة استرجاع الشعوب للمبادرة عن طريق مجموعة من الحركات النضالية احتلوا ول ستريت و 15ماي باسبانيا و الواقفون ليلا فرنسا و استعاد اليسار جزء من هيبته امريكا اللاتينية، سيريزا اليونان و بوديموس اسبانيا يؤكد سدادة النظرية الماركسية و مصداقيتها بخصوص النظام الراسمالي و دوره في الأزمة الاقتصادية،و على المستوى الإقليمي شهد سيرورات ثورية أطاحت ببعض رموز الانظمة الاستبدادية ولكنها سرعان ماواجهت ثورات مضادة تختلف من بلد الى اخر ، تواجه الشعوب اليوم واحدة من أسوء الأزمات التي بدات سنة 2008 و مازالت تلقي بضلالها على اقتصاديات بلدان المركز و تحاول الرأسمالية معالجتها على حساب الطبقة العاملة مركزا و هامشا.
في المغرب حيث يسود فيه نظام رأسمالي تبعي فقدت الطبقة العاملة مناصبها بسبب إغلاق المقاولات المتوسطة والصغيرة لأبوابها بسبب المنافسة الشرسة من منتجات القادمة من دول صناعية كبيرة ،ويعد قطاع النسيج الضحية الأولى لفتح الباب على مصراعيه للسلع الأجنبية مما أدى إلى الإضرار بقدرة المنتج المحلي على منافسة سلع قادمة من صين والهند وتركيا وكوريا الجنوبية وغيرها ، المغرب الذي كان فيه قطاع النسيج يشغل نسبة مهمة من اليد العاملة خصوصا النساء قد تضرر كثيرا مما يفسر ظهور الفراشة في المغرب كظاهرة للعطالة ففي سلا والدار البيضاء وطنجة أغلقت المئات من المصانع ، وزاد من حدة التضرر اتفاقيات التبادل الحر التي وصلت إلى ما يزيد عن 50 اتفاقية مع دولة و أهمها الاتفاقيات مع أمريكا و أوروبا وروسيا و الصين والتي تأخذ حيزا هاما من المبادلات الاقتصادية مع تسجيل استفادة الدول الامبريالية و عجز في ميزان تجاري للمغرب و هناك أرقام مالية تؤكد حجم الخسارة التي يتكبدها الاقتصاد من جراء عدم تكافؤ و هناك نذكر فقط بنموذج بسيط اتفاقيات الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي و التي لا يتجاوز ثمنها 40 مليون اورو سنويا ،مع العلم ان بإمكان الدولة استغلال مياهها الإقليمية بمنح رخص الصيد للألف من البحارة و العاطلين عن العمل ،ولابد من الإشارة إلى انعكاس ذلك على معامل التصبير و إفلاس كثير من المستثمرين مما يعني تشريد مئات من اليد العاملة.
و منذ سياسة التقويم الهيكلي التي اختار النظام السياسي اتباعها و بدأت في بدايات الثمانينات من الألفية الثانية والتي أدت إلى خوصصة مجموعة من القطاعات الإستراتيجية والتي كانت تشكل دعما للميزانية والناتج الداخلي الخام انخرطت جل الحكومات المتعاقبة في سياسة الخوصصة التي كانت عواقبها وخيمة على الاقتصاد المغربي الذي أصيب بالسكتة القلبية في التسعينات نتيجة المديونية التي تفاقمت وسوء التدبير والريع والتهب المستشري في جل القطاعات الحكومية (لاسامير، كوماناف ،القرض العقاري والسياحي، وصندوق الضمان الاجتماعي، القرض الفلاحي،اتصالات ،التبغ نماذج....) وجراء دخول النظام الرأسمالي مرحلة العولمة واقتصاد السوق الحرة وجد المغرب نفسه بلدا متخلفا يعتمد اقتصاده بالأساس على الفلاحة التصديرية وموارد الفوسفاط والسياحة بنسبة اقل ،وخصوصا الضرائب التي تشكل ما يناهز 50 ف المائة والتي ترتفع كل سنة ،لقد أدت سياسة التقويم الهيكلي والخوصصة إلى فقدان الألف من الطبقة العاملة لمناصبها وانحدرت طبقيا الى مزيد من الفقر و الكدح و الذي وصل حسب الإحصائيات إلى ما يزيد عن خمسة ملايين فقير يعيشون تحت عتبة دولار واحد في اليوم ،و قد رفق كل هذا نزوح ملايين من القرويين الى هوامش المدن الكبرى مشكلين أحزمة من البؤس و الفقر ،و جيشا جديدا من اليد العاملة غير مؤهلة ،هذا النزوح الذي ازداد بحدة في العقود الخمسة الأخيرة و الناتج عن التهميش الذي كان يرزخ فيه هامش الوطن وبسبب فقدان الكثير من الفلاحين الفقراء و المتوسطين أراضيهم لصالح رأسمالية زراعية أتت على الأخضر واليابس خصوصا أنها حظيت بدعم الدولة أما من ناحية القروض و الإعفاء الضريبي .
منذ تمرير مدونة الشغل في عهد حكومة جطو سنة2003 زادت مرونة الشغل و هشاشته ومع ظهور شركات الوساطة والمناولة فقدت الطبقة العاملة المغربية كثير من مكتسبات ضحت عليها بالدم و النار طوال عقود من نضالها المرير لكسب مزيد من الحقوق ،و يبين لنا الواقع الملموس ذلك فكل مرة نسمع عن طرد جماعي لمئات من اليد العاملة خصوصا في القطاع الزراعي و الشبه صناعي (عمال وعاملات زراعيين باشتوكة ايت باها و سوس والغرب و عمال المغربية للصلب و الفوسفاط و عمال طنجة المتوسط .....) ويعد السبب الاول في ذلك الانتماء النقابي و رفض الباطرونا تطبيق قانون الشغل عى علته و مازلت الدولة المغربية لم تصادق على الاتفاقية 87 من منظمة العمل الدولية و ترفض التخلي عن الفصل المشوؤم 288 الذي شكل و لازال عائقا و يستعمل لتجريم نضالات العمال السلمية ،و تسعى الحكومة جاهدة لتمرير قانون الإضراب الذي سيشكل سيفا ذو حدين على الطبقة العاملة .
في عهد حكومة بنكيران التي صعدت بعد الربيع الثوري الذي اجتاح المنطقة المغاربية والعربية و الذي لم يكن المغرب بمنائ عنه و خرجت الآلف إلى الشارع مطالبة بالتغيير و التي كان شعارها إسقاط الاستبداد و الفساد و مطالبة بالحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية و المساواة وعمل من خلالها النظام السياسي على احتواء الوضع معتمدا في ذلك على قاعدة من الأعيان و الباطرونا و الاحزاب المخزنية و النقابات البيروقراطية وجمعيات المجتمع المدني وعمل على تشغيل جزء هام من حركة المعطلين و استفاد الكثيرون من ما يسمى بالبناء العشوائي حيث غض الطرف عن ذلك و أيضا سمح للباعة المتجولين بعرض سلعهم بكل حرية ،و لم يساند الحراك العشريني سوى الأحزاب اليسار الديمقراطي و جماعة العدل والإحسان الإسلامية وبضعة مثقفين وإعلاميين ،لكن مع الخفوت عادت عجلة النظام مشتغلة بسرعة فائقة عبر حكومته المكونة من ثلاث أحزاب تبدو بمرجعيات متباينة ظاهريا أما باطنيا فهي خادمة للرأسمال عن سبق إصرار و ترصد ، رفع حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة شعار محاربة الفساد و الاستبداد ما علينا و هو نفس الشعار الذي رفعته 20 فبراير، ومع مرور الشهور و السنوات تأكد الجميع خصوصا الذين كانوا يتوهمون أن الحكومة ستنصف الشعب و ستقوم بإصلاحات هيكلية مع دستور جديد منح لرئيس الحكومة جزء من الصلاحيات لم تكن في دساتير قبلها ، لقد تأكد منذ الوهلة الأولى آن الحكومة تتقن الوعود الكاذبة و تحارب الطبقة المتوسطة والعاملة و تأكد ذلك من خلال تمرير مجموعة من القوانين التراجعية نوجز أهمها في مايلي ( نظام المقايسة و إلغاء صندوق المقاصة تدريجيا، مرسوم الاقتطاع من أجور المضربين ،التخلي عن تشغيل الأطر العليا المعطلة ، مرسوم فصل التوظيف عن التكوين والتقليص من المنحة في مراكز تكوين الأساتذة ،مرسوم إعادة انتشار الموظفين ،تمرير إصلاح أنظمة التقاعد خارج مؤسسة الحوار الاجتماعي ،مرسوم التوظيف بالعقدة و أخيرا مشروع قانون الإضراب المشئوم ...) هذا ناهيك عن الزيادات المتتالية في الأسعار نتيجة تقلب سعر البنزين و أيضا زيادة في الماء والكهرباء و النقل بالمقابل عملت الحكومة الطيعة لاملائات المؤسسات المالية الدولية على محاولة تمويهية عن طريق مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها نوجزها في اثنين نظام التغطية الصحية راميد و صندوق دعم الأرامل و التي تم الاشتراط فيه الأولاد و متابعة الدراسة بمنحة 350 درهم عن كل فرد في حدود ثلاثة ، وزيادة في منحة الطلبة دون أن تكون في المستوى ، و وصلت المديونية 80 في المائة من الناتج الداخلي الخام ،و يستمر عجز الميزان التجاري و تراجع نسبة النمو،مما سيؤدي الى استمرار سياسة التقشف و الاستدانة و هو ما كان أخيرا بعد منح قرض ائتماني جديد بأكثر من 3 ملايير دولار ،بالمقابل سيتم تخفيض من النفقات على القطاعات الاجتماعية الحساسة كالتعليم والصحة و التقليص من وظائف الشغل ،تعيش البلاد تناقضا صارخا ففي الوقت الذي ترفع فيها الدولة شعار التقشف تواصل رفضها التخلي عن الامتيازات الكثيرة لكبار مسؤوليها وزراء برلمانيين مدراء المؤسسات العمومية و تعويضات خيالية عن نهاية المهام الموكولة لهم ناهيك عن امتيازات بالجملة كالسكن و سيارات الخدمة و غيرها ،و هي عديد الفضائح التي تفجرت في استفادة كبار المسؤولين من الريع و الاختلالات المالية الكثيرة التي تعيش على وقعها مختلف المؤسسات العمومية و يكفي القاء نظرة على تقارير المجلس الأعلى للحسابات للتأكد من ذلك.
و تستمر الجماهير الشعبية في نضلاتها اما بعفوية أو بتاطير من ساكنة الهوامش من اجل الحق في الصحة و الماء والكهرباء و رفع التهميش و الشغل و الحق في الأرض ، الأراضي السلالية و التحديد الغابوي و في المدن كذلك حيث الحق في السكن، والمعطلين والطلبة والأساتذة المتدربين و الطلبة الأطباء و الشغيلة في الوظيفة العمومية و الطبقة العاملة مدافعة عن مكتسباتها الذي تتعرض للإجهاز و مطالبة بحقوقها و تحسين وضعها الاجتماعي ،غير ان طابع الفئوية يسيطر على هذه النضالات و تفتقر لقيادة او حزب سياسي تنتظم فيه و يدافع عن مصالحها الطبقية ،و ينذر الوضع بمزيد من النضال خصوصا مع تصاعد البطالة و غياب إستراتيجية وطنية حقيقية للقضاء على الفقر و التهميش و توفير مناصب شغل قارة لجيش من العاطلين عن العمل.
لقد زحمت النظام الرأسمالي العالمي على ثروات الشعوب ويحمل أزمته البنيوية الملازمة له للطبقة العاملة ، وأبان اليوم انه نضام فاشل في تحقيق الأمن والسلام والرفاهية للشعوب ،و وصل حد الهمجية حيث يقود حروبا بالوكالة في مجموعة من البلدان مستغلا في ذلك الصراعات الطائفية والعرقية و متماديا في ساديته ،خالقا نظام عالمي شمولي يديره عسكريا حلف الناتو و اقتصاديا مجموعة السبع و البريكس و ماليا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ،و سياسيا بواسطة مجلس الأمن و سياسة خارجية محكومة بالحديد والنار ،لقد بزغ فجر ثورة الشعوب مغاربيا و عربيا لكن غياب قيادة سياسية، و تنظيمات سياسية تصطف لجانب الطبقة العاملة و عموم الكادحين، جعل الثورة المضادة المدعومة من طرف الامبريالية و الممولة من صناديق الفقراء تاخد مسارا مدمرا للشعوب، تجتر ويلاتها من دمار و تشرد وتقتيل و تهجير ، ان الخلاص لا يمكن ان يكون خارج القضاء على النظام الرأسمالي الحالي الذي تستحوذ فيه 10 بالمائة على ثروات العالم و يزيد من تفقير الفقراء و اغناء الاغنياء في دول المركز بنسبة اقل و في دول الهامش بشكل كارثي ينذر في المستقبل بالمزيد من الدمار و الخراب ، ان لم تتحد الشعوب و تختار تقرير مصيرها .
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.