عبد الله ايت سي / شذرات على هامش الوطن


عبد الله ايت سي :
مر من هنا ذلك الطيف الذي يخبرك أنك هنا وسط هذه الجبال ،و انت مستلقي تحت شجرة اللوز التي زرعتها ايادي ناعمة في زمن ما ربما عقود او قرون جذعها يحميك من فراغ الطبيعة و أوراقها من شمس الصيف الحارقة ،يهمس إليك ببطء أنك في حضرة الهامش و يوصيك أنك جزء من هذا العالم لا هو بسرمدي و لا بفاني فقط هو هكذا ،تاخدك القيلولة و تنفصل عن هذا الكون إلى عالم السعادة الأبدية، فقط بضعة دقائق تطل فيها على عالم آخر بدون ضجيج و لا سياسة و لا نفاق و لا غوغاء ،عالم من الهدوء و الحب و السلام ،توقظك نملة كبيرة و حوليها اخوتها الصغار يكدن و يجمعن عيشهن للشتاء ،تتأمل قليلا في وطنها إنتظام و دقة و إتقان للعمل و قلة من الكلام ،تمر نحلة من أمامك بعد أن اخدت ما يكفيها من زاد من ورد اللوز ،طيور تحلق و تبحث عن طعام لفراخها ،صمت يعم المكان وسط هذه الجبال المهجورة إلا من عجائز متشبتة بحبها و عاشقة للصعاب حد الإدمان، يخبرك طيف الحياة الكثير عن الصمود و المعارك و الخيانات و حضارة طالها نسيان متعمد ،عن أجيال عملت على إحياء الحياة هنا زرعت الأشجار و شيدت مدرجات و منازل بالحجر و الطوب ،عن قوانين عرفية من صنعها ،عن تقسيم عمل يعتمد المساواة مبدأ ،عن حياة ربما كانت أكثر سعادة من يومنا هذا ،عن الجماعة عوض الفرد ،عن فن و غناء و اهازيج ترددها الجبال و تتناقلها الأجيال تستمد كلماتها برموز لا يفك شفرتها إلا الضالعون فيها ،عن الكثير من الرسائل المشفرة التي كانت و لا تزال مستعصية عن الإجابة، مرت شاحنة من حجم متوسط، تحمل حمارا هذا الحيوان الصبور و الذي يستحمل كل شيء، على وجهه تبدو علامات الحزن التي يغطيها ببرائته من أفعال البشر ،لو كان ينطق لتكلم عن حجم السرقة و النهب التي يمارسها الإنسان في حق اخيه، ولو خيروه أن يغير جنسه لرفض ذلك و لثارت ثورته معلنا تشبته بجنس الحمير الطيب و الخادم ،في الطريق يخبرك طيف الحياة عن طغاة حكموا هنا بالحديد و النار يكفي النظر لوجوه القرويين لتعرف ذلك ،عن رصاص صوب في إتجاه المستعمر و الخونة ،عن تضحيات و عن وطن همش أبناؤه و بناته من المقاومين و المقاومات ،عن زوايا و مقدسات صنعها لصوص الله و الوطن لادامة السيطرة عن صوامع مساجد هجرها فقراء الهامش لا يزرونها إلا حينما يكون فيها الخبز فهم يفضلونه على الإنصات لإمام يمجد من يسرق قوتهم ،و ما جدوى الصوامع المتعالية في وطن الجياع ،تمر من أمام دكان بلدة يجلس أمامه رجال رمى بهم الزمان بقساوته إلى هذا المكان ينمنمون في بعضهم البعض و يدخنون سجائر رخيصة اختلط دخانها بلون شواربهم البيضاء ،على وجوههم تجاعيد رسمت لوحة فنية شبيهة بالأرض الجافة ،غير بعيد مدرسة شيدت من حجر لأطفال قرية أجسادهم النحيفة لا تظهر إلا عن قرب يلعبون على الطريق بشغف ممزوج بحزن ألقى ظلاله على هذا الهامش الداخل إليه مفقود و الخارج منه مولود ،جلهم ينتظرون أن تشتد سواعدهم ليهاجروا و قلة منهم تتمم الدراسة بسبب الفقر ،و ما جدوى الشواهد في وطن يعرفون و هم أطفال انه محسوم لأبناء الطبقة المسيطرة ،وديان تشق جبال ترسم لوحة تؤكد الإستمرارية لوطن أمازيغي جعلت منه ذئاب فريسة تنهشها كل ثانية ،أشجار ترسم لوحة فنية وضعت مقاييسها و الوانها بدقة متناهية تؤكد حجم الإنتاج الفلاحي الذي كان سائدا هنا ،قبل الوصول يخبرك طيف الحياة و يهمس لك في اذنك مرحبا بك في حضرة الوطن بحقيقته بدون ماكياج هنا يمتزج الألم بالاصرار على التشبث بالقيم والمبادئ التي هجرها الكثيرون من متصنعي الوطنية إلى مزبلة التاريخ ،يخبرك بمقاومة تكسرت على أياديها أعتى الجيوش ،عن حب متبادل مع الطبيعة و الحيوان لولا زحف الرأسمال و تجار الدين و خونة العهد الجديد ،عن طفل يحمل منجلا في صغاره وسيكبر ويعرف معناه الحقيقي عن من هم السبب في فقره و في تدمير الطبيعة و الإنسان و عن إبن عامل يلعب بمطرقة أبيه العامل الكادح التي يكسب منها قوت عيشه ،سيتذكر ولو بعد سنوات أن تلك المطرقة كانت لتمنحه ما يكفيه ليعيش بكرامة ،توقفت شاحنة و نزل الحمار و لم يترك بعد الكثير من الحمير هذا الوطن ليعيش في سلام مع إعتذاري للحمار .
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.